ابن البيطار
75
تفسير كتاب دياسقوريدوس
لما لاحظه من « استعجام » تلك المصطلحات و « تواري حقائقها » على أناس كثيرين من أهل صناعته . وذلك يعني أنّ « المقالات » ما انفكّت - رغم انقضاء ثلاثة قرون على ترجمتها وأكثر من قرنين على مراجعتها وشرحها في الأندلس - تثير مشاكل عويصة ، في المجال المصطلحيّ خاصّة . وقد عوّل ابن البيطار في « رفع قناع العجمة » عن المستغلق المبهم من مصطلحات « المقالات » على ثلاثة أمور : أولها معرفته الدّقيقة بمادّة « المقالات » ، فقد قال عنه ابن أبي أصيبعة : « وأتقن دراية كتاب ديسقوريدس إتقانا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه » « 59 » . وثانيها خبرته الفائقة بالنّباتات حتّى اعتبره ابن أبي أصيبعة « أوحد زمانه وعلّامة وقته في معرفة النّبات وتحقيقه واختياره ومواضع نباته ونعت أسمائه على اختلافها وتنوّعها » « 60 » . وقد تأتّت له تلك الدّراية العميقة وهذه الخبرة الفائقة بفضل رحلته العلميّة النباتيّة الطويلة التي لا نعرف أحدا غيره من أهل صناعته قد قام بمثلها . وثالث الأمور التي عوّل عليها ابن البيطار هي مطالعاته الواسعة لما كتبه سابقوه ومعاصروه في المادّة الطبيّة وخاصّة منها المادّة النباتيّة ، حتّى أن عدد مصادره في كتاب « الجامع » قد بلغ حوالي المائة والخمسين مصدرا بين عربيّ وأعجميّ . ولقد ظهر أثر هذه التّجربة العلميّة العميقة التي كانت لابن البيطار في كتاب « التّفسير » وخاصّة في تعريب كتاب ديوسقريديس بعد أن كانت العجمة غالبة عليه سواء في ترجمته - البغدادية - أو في مراجعته أو في شرحه . فالمتبقّي من كتاب « التفسير » - وعدد مصطلحاته الجمليّ 607 من 800 ، أي أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب - يدلّ على أنّ ابن البيطار قد وفّق إلى تعريب الكتاب تعريبا يكاد يكون كلّيّا ، ولم يستعص عليه إلّا سبعة وعشرون مصطلحا . وتلك المصطلحات أربعة أصناف :
--> ( 59 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء ، 2 / 133 . ( 60 ) نفسه ، 2 / 133 .